غلاف كتاب «امرأة من صعيد مصر » الصادر عن دار نهضة مصر
بعد سنوات طوال من العمل السياسي والدبلوماسي قررت دكتورة مرفت تلاوي أن تكتب سطورًا من سيرتها الذاتية، وترصد تفاصيل الرحلة الطويلة التي خاضتها منذ كانت فتاة بسيطة في صعيد مصر حتى وصلت لأعلى مناصب الدولة، سفيرة لبلادها ثم وزيرة للتأمينات الاجتماعية، بل وتجاوزت ذلك لتصل لواحدة من أكبر المناصب العالمية، فأصبحت وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والأمين التنفيذي للإسكوا (لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لغرب آسيا).
على طريقة الفلاشات أو المقالات الموجزة تختصر السفيرة مرفت التلاوي رحلتها الطويلة، واضعة في الاعتبار أنها تقدم خبرة إنسانية للأجيال القادمة التي ربما عانت وتعاني من مشقات الحياة في عالم اليوم، وكأنها تضع لهم بارقة أمل أو إشارة ضوء أن ثمة من سعى وحاول في ظروف أصعب وأكثر تعقيدًا، وتمكن في النهاية من تجاوز تلك العقبات والتحديات ووصل إلى مكانة عالمية كبرى.
تختار تلاوي عددًا من أهم لقطات ومسارات حياتها لتتوقف عندها في الكتاب من خلال تقسيم الكتاب إلى أربعة عشر فصلًا تغطي بها سنوات حياتها منذ النشأة حتى اللحظة الحالية، تتوقف في بعض المسارات أو المواقف بشكل خاص، فيما توجز أو تختصر بعض المواقف والأحداث والفترات الزمنية الأخرى، ولعل أكثر ما يميز تلك الرحلة هو الخط الزمني الذي تلتزم به الكاتبة من البداية، مرورًا بالأحداث والمواقف الهامة في تاريخ مصر والمنطقة العربية والعالم.
تبدأ تلاوي كتابها بالحديث عن النشأة بمحافظة المنيا في قرية بسيطة هي قرية بني محمد سلطان، وحالفها الحظ لكونها ابنة عمدة تلك القرية، والذي كان متعلمًا وصاحب رأي وحكمة، اهتم بتعليمها أسوة بأخواتها الذكور، وإن كان يخشى عليها من التحاقها بالجامعة. وتوفي والدها وهي في الثانية والعشرين من عمرها، وكان لوالدتها دور كبير في استكمالها للتعليم وتشجيعها، خاصة في المرحلة الجامعية، كما تشير إلى أنها كانت أكبر أخواتها، مما حملها الكثير من المسؤولية منذ وقت مبكر وجعلها في الوقت نفسه محل تقدير لهم.
تشير تلاوي كذلك إلى أنها كانت شقية في طفولتها، ولكنها مجتهدة في الدراسة، تمارس هوايات الرسم والعزف على البيانو، ومع ذلك ورثت الجينات الصعيدية من حيث صلابة الرأس وعدم التسليم للأمر الواقع.
تجمع الكاتبة في عرضها للمواقف والأحداث التي مرت بها بين أحداث سياسية كبرى مهمة وبين أحداث خاصة بها، فتخصص مثلًا لفترة الدراسة الجامعية فصلًا خاصًا بها، كما تفرد لنكسة 1967 فصلًا خاصًا لكي تحكي عن انعكاساتها وتداعياتها وأثرها على جيلها، كما تتحدث عن مشاركاتها المبكرة في عدد من المؤتمرات الخاصة بالمرأة في مصر والعالم، وكيف كان لتلك المؤتمرات والمشاركة فيها أثرها الفاعل في تكوينها وثقافتها دبلوماسيًا وسياسيًا.
كما تتناول فترات عملها كسفيرة لمصر في كل من النمسا واليابان، وتفرد فصولًا خاصة لعلاقتها بزوجات الرؤساء اللاتي عاصرتهن مثل جيهان السادات وسوزان مبارك، وتعرض أطرافًا من علاقتها بهم وبعض المواقف والأحداث التي جمعتهم. وهي في كل ذلك تحرص على أن تربط بين الخاص والعام، بين ظروفها الاقتصادية العائلية وبين ما تمر به البلاد في تلك الفترة من أزمات من جهة، وبين الوضع الاقتصادي العالمي أيضًا من جهة أخرى، كل ذلك بأسلوب شيق وبسيط.
تتعدد مع قراءة الكتاب مستويات أهمية كل فصل، تبعًا لاهتمامات القارئ، ولكن لا شك أن واحدًا من أهم فصول الكتاب سيكون ذلك الفصل الخاص بدورها الكبير كوزيرة للشئون الاجتماعية والتأمينات في مصر في الفترة (1997 حتى 1999)، وكيف كان دورها في هذه الوزارة فعالًا حتى أنها تركت أثرًا طيبًا حتى اليوم، لاسيما أنها قامت حينها بتغيير الكثير من المتعارف عليه والمستقر في تلك الوزارة مما كانت قد أقرته الوزيرة السابقة عليها (والتي استمرت في الوزارة نحو عشرين عامًا)، سواء من علاقة العاملين بالوزارة أو علاقة الوزارة بطبقات وفئات المجتمع المختلفة.
حيث بدأت عملها بزيارة ومتابعة عدد من المؤسسات التابعة للوزارة مثل مؤسسات الأحداث والرعاية الصحية، وسعت إلى تغيير نظام العمل بها وأن يكون إشراف الوزارة عليها حقيقيًا وليس صوريًا، بالإضافة إلى اهتمامها بتعديل قانون الجمعيات الأهلية. كما أعادت الاعتبار لبند التأمينات الاجتماعية وحرصت على وصولها إلى العديد من الطبقات الفقيرة المستحقة لهذا البند المهم لمواصلة حياتهم سواء على مستوى الغذاء أو الصحة أو حتى المسكن المناسب.
وتشير أيضًا في شهادتها إلى عدد من المخالفات الجسيمة التي حدثت بعد تركها الوزارة، مثل استيلاء وزير المالية السابق يوسف غالي على أموال التأمينات (التي بلغت 443 مليار جنيه) على اعتبار أنها أموال تخص الدولة! ولذلك تشير في النهاية إلى أن «معركة التأمينات»، على حد تعبيرها، كانت أحد أسباب عدم بقائها في الوزارة أكثر من عامين، ولكنها في النهاية سعت جاهدة لكي تقدم وتدافع عن كل ما فيه صالح المواطن المصري البسيط.
وهكذا يحمل الكتاب عددًا من الرسائل السياسية والاجتماعية بالغة الأهمية، سواء المتعلقة بعلاقة الدولة ونظامها القائم، خاصة في عهد مبارك، بالمواطنين والبسطاء، أو ذلك الجزء الخاص المتعلق بقضايا المرأة وعلاقتها بالمجتمع، خاصة في مصر والعالم العربي، وما تركه أثر الجماعات الدينية أو النظرات الاجتماعية التي تقلل من شأنها على دور المرأة على مدار السنوات. إذ توضح تلاوي في فصل خاص يعتبر شهادتها عن «المجلس القومي للمرأة»، وعرضًا موجزًا لمسيرته منذ إنشائه عام 2000 وحتى اليوم:
«يمكن القول إن المرأة المصرية قد حصدت ثمار سنوات من النضال الذي خاضته العديد من النساء كي تحصل كل سيدة على حقوقها التي كفلتها الرسائل السماوية والتشريعات الدستورية، ولكن – عمدًا أو جهلًا – تم التعتيم عليها وتفسيرها بنصوص لا تكرس إلا العنف بمعناه المعنوي ضد النساء. وقد أثبت المجلس القومي للمرأة أنه منذ إنشائه لم يكن «مجلس الهوانم» كما لقبه البعض، في إشارة إلى أن من ينتمي إليه هن من الطبقة الراقية التي لا تعنيها المرأة من جميع الطبقات، بل أكد أن المرأة المصرية أيًا كان وضعها المادي والاجتماعي كانت سيدة على مدار التاريخ، قادرة على ترك بصمتها في حماية الأسرة والوطن».
في النهاية تترك ميرفت تلاوي القارئ مع ملحق خاص بصور للقاءاتها المختلفة سواء خارج مصر أو داخلها، مع ملحق آخر يوثق عددًا من الشهادات والمقالات التي كتبت في فترات مختلفة من حياتها، لعل أهمها شهادة المستشار محمد شوقي الفنجري، رئيس مجلس إدارة الجمعية الشرعية الإسلامية، عن دورها الهام في الوزارة عام 1999، ومقال للمفكر والتربوي الراحل حامد عمّار عنها بعنوان «سفيرة جليلة فوق الشبهات»، المنشور في جريدة الوفد عام 2005.
هكذا طافت بنا ميرفت تلاوي في رحلتها الطويلة الممتدة الشيقة، شرقًا وغربًا، واستطاعت أن تقدم للقارئ صورة عامة وتحيطه ببعض ظروف وملابسات العمل في مواقع شديدة الأهمية والحساسية في مصر والعالم، وأن تترك له في النهاية فرصة تقييم ذلك كله أو التعامل معه. ويبقى الكتاب شهادة هامة وحية، وواحدًا من الوثائق شديدة الخصوصية التي تركتها للأجيال القادمة لكي يستفيدوا ويتعلموا منها، سعيًا نحو تجاوز كل الصعاب والتحديات وتحقيق الأهداف مهما كانت العقبات.